الذهبي
694
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
فقال : من أنت ؟ قَالَ : مَلَك الموت جئت لقبْض روحك ، ثمّ قتله ، ثم وصل الخبر إلى أَبِي طاهر الصّائغ ، فسار إلى فَامِيَة ، وهو لا يشكّ أنّها لَهُ ، فقال القاضي : إنّ وافقتَني وأقمتَ معي ، وإلّا فارجع ، فآيس ورجع . وكان عند طُغْتِكِين الأتابك ولدٌ لابن مُلاعب ، فولّاه حصنًا ، فقطع الطّريق ، وأخذ القوافل كأبيه ، فهم طغتكين بالقبض عليه ، فهرب إلى الفرنج ، واستدعاهم إلى فَامِيَة ، وقال : ما فيها إلّا قوت شهر ، فنازلوه وحاصروه ، وجاع أهله ، وملكته الفرنج ، فقتلوا القاضي المذكور ، وظفروا بالصّائغ فقتلوه ، وهو الّذي أظهر مذهب الباطنيّة بالشّام ، فقيل : لم يقتلوه وإنما بقي إلى سنة سبعٍ وخمسمائة ، فقتله ابن بريع رئيس حلب بعد موت رضوان صاحبها . وفيها ملك سيف الدّولة صدقة بْن مَزْيَد الأَسَديّ البصرة ، وحكم عليها ، وأقام بها نائبًا ، وجعل معه مائة وعشرين فارسًا ، فاجتمعت ربيعة والعرب في جَمْعٍ كبير ، وقصدوا البصرة ، فقاتلهم النائب ألتونتاش ، فأسروه ، ودخلوا البلد بالسّيف ، فنهبوا وأحرقوا ، وما أبقوا ممكناً ، وانتشر أهلها في السواد ، وأقامت العرب تُفْسد شهرًا ، فأرسل صدقة عسكرًا ، وقد فات الأمر . وأمّا ابن عمّار فكان يخرج من طرابُلُس وينال من الفرنج ، وخرّب الحصن الّذي أقامه صَنْجيل ، وحرق فيه ، فرجع صَنْجيل ومعه جماعة من القمامصة والفرسان ، فوقف عَلَى بعض السُّقُوف المحترقة ، فانخسف ، فمرض صنجيل عشرة أيام ومات ، لعنه الله ؛ وحملت جيفةُ الملعون إلى القدس ، فدفنت بِهِ ، ولم يزل الحرب بين أهل طرابلس والفرنج خمسَ سِنين إلى هذا الوقت ، فعدموا الأقوات ، وافتقر الأغنياء ، وجلا الفُقراء ، وظهر من ابن عمار صبر وثبات ، وشجاعة عظيمة ، ورأيٌ ، وحزْم ، وكانت طرابُلُس من أعظم بلاد الإسلام وأكثرها تجمُّلًا وثروة ، فباع أهلُها من الحُلي والآلات الفاخرة ما لا يوصف بأقلّ ثمن ، ولا أحد يغيثهم ، ولا من يكشف عنهم . وامتلأ الشام من الفرنج .